السيد محمد الصدر
338
تاريخ الغيبة الصغرى
القرينة الأولى : قوله ( ص ) : من تشرف لها تستشرفه . فإن المراد أن من تعرض للفتن أثرت الفتن عليه وجرفته بتيارها . يقال : تشرف للشيء إذا تطلع إليه . واستشرف : انتصب . ومن المعلوم أن الغالب من أفراد الأمة ، ممن لا عمق له في التفكير ، ولا دقة في النظر ، بمجرد اطلاعهم على المذاهب والفلسفات اللا إسلامية ، تنتصب هذه المذاهب في أذهانهم ، بمعنى أنهم يرون لها هيبة وهيمنة ، ويكونون في طريق الاعتراف بها والتصديق بمضمونها . . فيؤدي ذلك بهم إلى الانحراف عن الإسلام . وأما العمل الذي يعطي للفرد والآخرين المناعة عن الفتن والفرصة الكافية للاضطهاد ومناقشتها ، فهو من أعظم الأعمال الإسلامية ، ومما لا تنفيه هذا الروايات ، طبقا لهذه الأطروحة . القرينة الثانية : قوله : الساعي إليها . فان السعي إليها متضمن للتعرض لها والسير في ركابها . ومنه نعرف أن المراد مما سبقه من القيام في الفتنة والمشي فيها هو ذلك أيضا . ومعه لا يكون لها أي تعرض للنهي عن العمل ضدها أصلا . القرينة الثالثة : قوله : من وجد فيها ملجأ فليعذ به ، بعد أن تفهم أن ( في ) بمعنى ( من ) فكأنه قال : من وجد منها . ولا شك أن المراد هو ذلك على أي حال . والوجه في هذه القرينة : أن الملجأ لا ينبغي أن نفهم منه خصوص المكان المنزوي أو البعيد ، بل نفهم منه كل منقذ من الفتنة وما هو مبعد عنها . ومن المعلوم أن الارتباط بأهل الحق ، واتخاذ العمل الإسلامي ، خير ملجأ ضد تيارات الفتن والانحراف . نعم ، لو انحصر حال الفرد في النجاة من الفتنة أن يفر عنها ويبتعد منها ، وجب عليه ذلك ، بأن يلحق بالأرياف إذا كان له فيها غنم أو إبل ! بتعبير الرواية .